مختبر الهندسة المالية الإسلامية يحدث نقلة نوعية في الصناعة المالية الإسلامية

15 يناير, 2020

post thumbnail

عندما ابتدأت رحلة تأسيس المختبر اﻷول من نوعه في مجال أبحاث المالية الإسلامية عام 2013م، لم يكن مؤسسو المختبر يدركون بأنه سيصبح يوما ما قصة نجاح باهرة، فقد كان جلّ اهتمامهم حينها التأسيس لمشروع يزاوج ما بين التقنيات الحديثة ومبادئ الاقتصاد والتمويل اﻹسلامي. ووقع الاختيار على تسميته بـ"مختبر الهندسة المالية اﻹسلامية "، وكان وقتئذ عبارة عن منصة لطلبة الدكتوراه من أجل بناء نماذج مبتكرة للأدوات المالية، والمساهمة في نشر أعمال تسلط الضوء على التحديات التي تواجه الصناعة المالية اﻹسلامية، وتقدم حلولا عملية لتلك التحديات.

تأسس المختبر بمبادرة مشتركة بين البنك اﻹسلامي للتنمية وجامعة محمد الخامس بالرباط في المغرب، وتمثلت الأهداف في إعداد الطلاب لتطوير أحدث برامج "المحاكاة القائمة على الوكالة"، وإجراء البحوث لإنتاج أدوات مالية إسلامية مبتكرة، والكشف عن طرق الإفادة من تلك الأدوات من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية لدى الدول اﻷعضاء في مجموعة البنك اﻹسلامي للتنمية. ووقع الاختيار على أن يكون مقر المختبر ضمن مبنى مختبر أبحاث الرياضيات التطبيقية في المدرسة المحمدية للمهندسين بجامعة محمد الخامس بالرباط، وأوكل البنك اﻹسلامي للتنمية، عقب الانتهاء من الأعمال التأسيسية اﻷولية، مهمة متابعة أعمال المختبر وتنفيذ برامجه من جانبه إلى المعهد اﻹسلامي للبحوث والتدريب، الذراع البحثي في مجموعة البنك.

أظهر المختبر طوال الأعوام السبعة الماضية نجاحا كبيرا، وذلك منذ ابتدأ أعماله بواكير عام 2014م في سعيه الحثيث نحو تحقيق أهداف البنك الإسلامي للتنمية في تطوير الصناعة المالية الإسلامية على الصعيد العالمي، بشكل يتسم بالمرونة والاستدامة. ويستخدم الباحثون في مختبر الهندسة المالية الإسلامية مختبرا حاسوبيا لتطوير البرامج الخاصة بهم في مجال "المحاكاة القائمة على الوكالة"، وتطبيقها على أطروحاتهم في درجة الدكتوراه. وتقوم برامج المحاكاة هذه بتعزيز الاستيعاب والتحليل في مجالات متعددة للتمويل الإسلامي، كالتمويل الأصغر، والجمعيات التعاونية، ومؤسسات التأمين التكافلي وغيرها من المجالات. ومن ثم فإن المختبر يقدم خدمة جليلة للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، بل وللصناعة المالية الإسلامية في العالم أجمع.

وانطلاقا من طرحه حلولا عملية للعديد من القضايا الواقعية التي تواجه المالية الإسلامية، ساهم المختبر في بناء أجيال من المهندسين الماليين ومطوري المنتجات، من خلال تزويدهم بمهارات تخصصية تمكنهم من تصميم منتجات مالية إسلامية جديدة، إلى جانب تعزيز قدراتهم في استخدام أحدث التقنيات التكنولوجية، وعلى وجه التحديد تقنية "المحاكاة القائمة على الوكالة" وتقنيات النمذجة. ويقوم المختبر بعقد الدورات والندوات العلمية، كما يساعد الطلاب على نشر الأوراق البحثية والتقارير ذات الصلة بأبحاثهم عبر مختلف القنوات. ويتجلى نجاح المختبر للعيان من خلال مخرجاته المتمثلة في منحه إحدى عشرة أطروحة دكتوراه، ونشر خمس وأربعين مقالة في مجلات علمية محكمة مرموقة، بالإضافة إلى إشرافه على شبكات التواصل التي تضم أعضاء المختبر والباحثين المستجدين.

في سياق حديثه عن المختبر، أفاد رئيس مشروع تأسيس المختبر، الدكتور سامي السويلم، المدير العام بالإنابة للمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب: "عندما بدأنا المشروع، كنت وفريقي قلقين بشأن المخاطر المصاحبة له، من حيث قدرته على إنجاز أهدافه، وضمان تحقيق الرؤية الرئيسة للبرنامج. ومع ذلك، وبعد العديد من الاجتماعات المثمرة، قررنا خوض التجربة، فقد كنا على ثقة تامة في قدرة زملائنا في المدرسة المحمدية للمهندسين، الدكتورة رجاء أبو العيش والدكتور محمد تقيوات على إنجاح المشروع. ومن هنا كانت ولادة مختبر الهندسة المالية الإسلامية الذي أنشئ ليقدم شيئا فريدا من نوعه في مجال تعليم المالية الإسلامية".

إن أحد أهم عوامل نجاح المختبر يكمن في التركيز على التجارب العملية بدلاً عن البحوث النظرية المحضة، إذ يضم فريق مختبر الهندسة المالية الإسلامية طلابا وأساتذة ذوي خبرات واسعة في قولبة النماذج الرياضية والحاسوبية، عملوا على تطوير أنظمة معقدة، وابتكروا نماذج تحاكي المنتجات والأسواق، معتمدين في ذلك على المبادئ العامة في الاقتصاد الإسلامي.

ومن أسباب نجاح المختبر كذلك أن المشروع تزامن مع بداية دخول التمويل الإسلامي وتثبيت جذوره في المملكة المغربية، فقد كانت البنوك المغربية حينذاك بدأت للتو في توفير خدمات مصرفية إسلامية، الأمر الذي أوجد حاجة متزايدة إلى ابتكار نماذج وأدوات مالية متوافقة مع الشريعة.

وعلى الرغم من بداية التأسيس الناجحة، واجه المشروع بعض التحديات التي كان لا بد من تجاوزها. وكانت أكبر هذه التحديات إقناع المجتمع الأكاديمي والعلمي بقدرة العلوم المحضة كالهندسة والرياضيات على المساهمة في تطوير المالية الإسلامية باستخدام العناصر العلمية المحضة في "الهندسة" أو "القولبة والمحاكاة"؛ إذ يعتقد العديد من المهنيين أن هذا المجال من اختصاص الاقتصاديين وعلماء الشريعة.

لكن واقع الأمر، كما أوضح الدكتور السويلم، هو أن الالتزام والتفاني والاهتمام من فريق عمل المختبر ومؤسسيه، مكّن المشروع من تجاوز جميع تلك التحديات. وقد أثبت المهندسون والرياضيون والحاسوبيون من خلال تنفيذهم لأعمال المختبر أن من السهولة تعاونهم مع الاقتصاديين والشرعيين في تطوير المنتجات المالية الإسلامية من أجل المنفعة العامة.

من جهتها صرّحت الدكتورة رجاء أبو العيش، مدير مختبر الهندسة المالية الإسلامية: "في بداية الأمر، انطلق مشروع الهندسة المالية بشكل ناجح، وذلك بالتعاون مع منظمات دولية أخرى مهتمة بالرياضيات التطبيقية. وقد كان مختبرنا البحثي جزءا من مختبرين دوليين يتعاونان مع عدة مختبرات دولية لسنوات عديدة. ولكن لاحقا، وبالثقة المتبادلة وروح العمل الجماعي بيننا وبين البنك الإسلامي للتنمية والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، قررنا استقطاب جيل جديد ضمن صرح أكبر، يشرف عليه أساتذة ذوي خبرات عالية وخبراء من البنك الإسلامي للتنمية أو أي منظمات أخرى حول العالم لاستخدام التقنيات الحديثة في تحقيق أهداف الاقتصاد الإسلامي من خلال أدوات مالية مبتكرة".

وعلاوة على العمل الناجح بمختبر الهندسة المالية الإسلامية، ساهم المختبر كذلك بشكل كبير في تشجيع أعمال البحث والابتكار في مجال الهندسة المالية الإسلامية حول العالم. وقد كانت بحوث التمويل الإسلامي تتمحور عادةً في البحث عن المباح دينياً، ولكن تطور الصناعة المالية أدى إلى تحول الاهتمام إلى الأمور العملية، مثل كيفية اتخاذ المستثمرين ومؤسسات حشد الأموال لقراراتهم، وكيفية تصميم منتجات اقتصادية مجدية. وتزامن هذا التحول مع توسيع المصارف الإسلامية لقاعدتها التقليدية المحصورة بعملائها ومدى توافق أعمالها مع الشريعة، إلى قاعدة أكبر من العملاء الذين يتخذون قراراتهم المالية بناء على العديد من العوامل كتقييم الأسعار وجودة الخدمات.

وفي هذا الصدد، وبهدف تعزيز الابتكار في الصناعة المالية الإسلامية، قام مختبر الهندسة المالية الإسلامية بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية وكرسي سابك لدراسات الأسواق المالية الإسلامية بتأسيس جائزة أفضل تطبيق محاكاة قائمة على الوكالة في مجال التمويل الإسلامي. وتستهدف الجائزة الطلاب الخريجين حول العالم الذين يملؤهم الشغف والحماس لاكتشاف تقنيات جديدة في تطوير الاقتصاد والتمويل الإسلامي.

وتقدم الجائزة مبالغ مالية لأفضل ثلاثة متنافسين، بحيث يُمنح الفائز بالمركز الأول مبلغ 8000 دولار أمريكي، والمركز الثاني 6000 دولار، والمركز الثالث 4000 دولار. ويتوجب على المشاركين استخدام تقنية المحاكاة القائمة على الوكالة بتطبيقها على جوانب متعددة من الاقتصاد والتمويل الإسلامي، نظرا للقيمة العالية لهذه التقنية وقدرتها على دراسة الظواهر المعقدة وتطوير الحلول العملية لها.

ساهمت هذه الجائزة في تعزيز فهم السلوك الاقتصادي في العالم الإسلامي، ومهدت الطريق لفهم الكيفية التي يتعامل بها الأطراف المختلفة في التمويل الإسلامي، وهم العملاء والمصارف والجهات التنظيمية. وعلاوة على ذلك، فقد شجعت الطلاب على تعلم هذه الأدوات الجديدة وتطبيقها ميدانيا، ووسعت نطاق الجهود البحثية في هذا المجال، كما عززت استخدام أساليب أكثر منهجية في الهندسة المالية الإسلامية وابتكار المنتجات.

لقي النجاح الذي حققه مختبر الهندسة المالية الإسلامية صدى واسعا لدى المختصين، من خلال إصدار المنشورات البحثية، وتنظيم ندوة عرضت فيه أفضل الأعمال، أشاد خلالها خبراء الصناعة، مثل البروفيسور فرانسيسكو دوريا والبروفيسور كارس هوميس، بالأعمال التي أنجزها المختبر. كما أثنى رئيس البنك الإسلامي للتنمية، معالي الدكتور بندر حجار، في زيارته للمختبر عام 2019م، على جهود الباحثين والإداريين والنجاح الذي حققه المختبر.

وقد عبر الدكتور حجار، خلال اجتماعه بمسؤولي المدرسة المحمدية للمهندسين ومختبر الهندسة المالية الإسلامية، عن سعادته بالتقدم الذي أحرزه المختبر، وأكد على التزام البنك الإسلامي للتنمية بالشراكة في هذا المشروع.

وفي سياق متصل، أفاد السيد العربي العبيدي مدير المدرسة المحمدية للمهندسين، أثناء زيارة الدكتور حجار، بأن العديد من التنفيذيين تدربوا في مختبر الهندسة المالية الإسلامية على مدى عدة سنوات، في مجال الهندسة المالية بعلوم الرياضيات والحاسوب. وأوضحت مدير المختبر، الدكتورة رجاء أبو العيش، بأنه خلال الاجتماع مع الدكتور حجار تم استعراض أعمال المختبر التي تم تمويلها من قبل البنك الإسلامي للتنمية، وخصوصاً توفير المنح والمساهمة في تدريب الطلاب.

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Open Modal