تحرير الطاقة الكامنة في الزكاة لتعزيز الإدماج المالي

15 يناير, 2020

post thumbnail

شهدت صناعة الخدمات المالية اﻹسلامية تطويراً مؤسسياً على مختلف اﻷصعدة، واستمر قطاع المصرفية اﻹسلامية في الهيمنة على تحديد مسار الصناعة المالية، وطرأ نمو لافت على الصناعة المالية اﻹسلامية في قطاعاتها الرئيسة الأربعة، وهي المصرفية اﻹسلامية، وأسواق المال اﻹسلامية، والتأمين التكافلي، والتمويل الاجتماعي اﻹسلامي، بيد أن قطاع التمويل الاجتماعي اﻹسلامي لم يحظ بالاهتمام الكافي على الرغم من إمكاناته الهائلة، فقد أثبت هذا القطاع أنه أكثر القطاعات مرونة في تحمل الصدمات مقارنة بالقطاعات الثلاثة الأخرى، وأنه قادر على أن يسهم بشكل كبير في تعزيز اﻹدماج المالي.

يشمل قطاع التمويل الاجتماعي اﻹسلامي بشكل عام المؤسسات الإسلامية التقليدية المبنية على العمل الخيري، كالزكاة والصدقات واﻷوقاف، باﻹضافة إلى مؤسسات التمويل اﻷصغر اﻹسلامي المعاصرة غير الربحية، ولذلك فإنه يتسم بالقدرة على خدمة "غير المتعاملين مع المصارف". وتستخدم هذه المؤسسات نماذج تقليدية من التراث اﻹسلامي، ومن ثم فإن أسلوب عملها يخضع أيضاً لمبادئ الشريعة الإسلامية التي يجب الالتزام بها في جميع الظروف واﻷحوال. وتعد الإدارة الفعالة أمراً بالغ الأهمية لضمان استفادة الأجيال القادمة من هذه المؤسسات الاستفادة المثلى.

إن استخدام التقنيات الحديثة لإدارة قطاع التمويل الاجتماعي اﻹسلامي من شأنه أن يعزز فعالية نظام إدارة الزكاة ويستثمر إمكاناته. ونظرا لأن الدول اﻹسلامية – وعلى وجه الخصوص الدول الأعضاء في البنك اﻹسلامي للتنمية - تستخدم طرقا مختلفة في إدارة الزكاة، فإنه ليس من السهولة اعتماد منهج محدد في نظام إدارة الزكاة، ومن ثم فإن ثمة حاجة إلى إيجاد طرق لتأسيس نظام زكاة موحد وفعال وناجح.

ومن هذا المنطلق أقام المعهد اﻹسلامي للبحوث والتدريب التابع للبنك اﻹسلامي للتنمية شراكة مع بنك إندونيسيا عام 2014م من أجل وضع إطار عمل موحد في إدارة الزكاة. ونتج عن هذا التعاون صياغة "المبادئ اﻷساسية للزكاة"، التي ساهمت في تعزيز حوكمة الجهات التنظيمية لدى العديد من الدول، علاوة على توفيرها اﻷسس لوضع قوانين الزكاة ولوائحها في الدول التي لا تتبنى نظاما معينا في تسيير أعمال الزكاة.

إن "المبادئ اﻷساسية للزكاة" عبارة عن قائمة للحد اﻷدنى من المتطلبات التنظيمية التي تضبط أعمال الزكاة في جمعها ومصارفها وتوزيعها، وتتكون من ثمانية عشر مبدأ أساسيا، تنقسم إلى فئتين رئيستين: (1) المعايير اﻷساسية، و(2) المعايير اﻹضافية. أما المعايير اﻷساسية فهي جميع العناصر التي يجب توافرها لكي تتم إدارة الزكاة بكفاءة وفعالية، كتوفير اﻷسس القانونية والحوكمة الرشيدة. وأما المعايير اﻹضافية فتشمل العناصر "اﻹضافية"، كإدارة المخاطر، وتعنى بها الهيئات اﻷكثر تقدماً في إدارة الزكاة.

وعلى الرغم من تطور قطاع التمويل الاجتماعي الإسلامي واستقطابه للعديد من أصحاب المصلحة الرئيسين، إلا أنه لا يزال غارقاً في العديد من التحديات على المستوى التنظيمي الجزئي والمتوسط والكلي، وتشمل هذه التحديات ما يأتي:

  1. ما مدى فعالية اللوائح في قطاع التمويل الاجتماعي اﻹسلامي؟
  2. هل أثرت القوانين واﻷنظمة الصارمة بشكل سلبي على القطاع؟
  3. كيف يمكن لأصحاب المصلحة الرئيسين المواءمة بين الأطر التنظيمية المختلفة في إدارة مؤسسات متباينة، تشمل الدينية والعلمانية، والجمعيات التعاونية، ومؤسسات التمويل الربحي وغير الربحي؟
  4. كيف يمكن وضع إطار عمل موحد ومتكامل لقطاع التمويل الاجتماعي الإسلامي؟

وفيما يلي تساؤلات أكثر تحديداً تتعلق بقطاعات فرعية قد تؤثر بشكل جوهري على واضعي السياسات:

  1. كيف يمكننا ضمان المعيارية في تحديد الموجودات الخاضعة للزكاة وتقييم مقدار الزكاة في ظل وجود آراء قانونية مختلفة؟
  2. هل الزكاة مصدر تمويل معتمد للمؤسسات؟
  3. هل يعد أداء الدولة في إدارة الزكاة أفضل من أداء المؤسسات الخاصة؟
  4. هل ينبغي أن يكون دفع الزكاة لأجهزة الدولة بشكل إلزامي؟
  5. هل ينبغي أن يسمح لدافع الزكاة باختيار الجهة التي سيدفع لها؟ سواءً أكانت جهة خاصة أم حكومية؟
  6. هل يجب حساب مقدار الزكاة على الدخل مخصوما منه الضريبة، أو قبل خصمها؟
  7. هل ينبغي خصخصة إدارة الزكاة؟
  8. هل يفترض أن لا توجّه أموال الزكاة لمستفيدين آخرين، إلا بعد تلبية حاجة شديدي الفقر؟
  9. هل يتطلب "التمليك" تحويلا نقديا غير مشروط؟
  10. هل يمكن استخدام الزكاة لمنح القروض؟ وهل ستختلف الإجابة إذا استخدمت أموال الزكاة لإنشاء صناديق تدويرية، وذلك لزيادة صناديق الزكاة النادرة نسبيا بحيث تلبي احتياجات عدد أكبر من الفقراء؟ وهل ستختلف اﻹجابة إذا كانت الصناديق التدويرية مملوكة للفقراء؟

من المؤكد أن الإجابة عن اﻷسئلة السابقة تتطلب تحليلا عميقا وفحصا دقيقا تدعمهما بيانات متينة مع مراعاة الاختلافات والفرادة في كل دولة، الأمر الذي حفز المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالمبادرة إلى تطوير "المبادئ اﻷساسية للزكاة"، من خلال مشروع تم تدشينه في القمة العالمية للعمل اﻹنساني، التي انعقدت في مدينة إسطنبول عام 2016م.

وفي هذا الصدد، أقام المعهد اﻹسلامي للبحوث والتدريب وبنك إندونيسيا عدة شراكات مع العديد من أصحاب المصلحة، كوزارة الشؤون الدينية ببنغلادش، وبيت الزكاة الكويتي، وصندوق الزكاة الوطني بجنوب أفريقيا، ومؤسسة الزكاة الهندية، وهيئات الزكاة بماليزيا. وقد تبنت هيئة الزكاة الوطنية بإندونيسيا بعض هذه المبادئ والقوانين، ومنها على سبيل المثال، المبدأ رقم 8 (الحوكمة الرشيدة للعاملين)، والمبدأ رقم 9 (إدارة جمع الزكاة)، والمبدأ رقم 10 (إدارة المصارف).

وأفاد الدكتور هيلمون إزهار، الخبير الاقتصادي الأول بالمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، وأحد المشاركين في إعداد المبادئ الأساسية للزكاة: "يختلف مفهوم اللوائح والأطر التنظيمية للزكاة من دولة لأخرى، ويعكس هذا الاختلاف الظروف والأولويات الفريدة لدى كل دولة، تبعا لتاريخ كل مجتمع وأعرافه، ولذلك لم يكن من السهل نشر مفهوم الزكاة، إلا أنه يتوقع من مشروع إعداد المبادئ الأساسية أن يكشف النقاب عن إمكانات الزكاة ويعزز الإدارة السليمة لها، ولا سيما في الدول الأعضاء بالبنك الإسلامي للتنمية".

اشترك في نشرتنا الإخبارية

Open Modal